عن الإغراق في التنظير

أبريل 4, 2014

بؤس الواقع والإحساس بالعجز فيه يدفع للهروب. أتفهم ذلك تماما، بل إني لا أعتقد أن على أحد أن يعيش هذا العجز. الحياة أقصر من أن تعيشه. لكن ورغم ذلك حريٌ بنا أن نسأل: إلى أين الهروب؟

واحدة من الحقول التي يجد فيها البعض الخلاص: الخوض في النقاشات الفلسفية والتاريخية والتفكير في مستقبل مشرق. تجده مثلا حاملا عشرات الكتب، وممسكا ورقة وقلما ليرسم تفاصيل ذلك المستقبل ويحدد معالمه ويتأمل المعضلات الممكنة وغير الممكنة فيه عسى أن يجد لها حلا متماسكا شاملا. قد يخرج بافتراض بديع يعالج ما يشغله من معضلات، ويمنحه ذلك الافتراض يقينا أننا لسنا ملزمين بالواقع الذي نحن فيه، وأن الأفق أوسع من أن تُقيّده الظروف الراهنة. يجعله هذا التفكير أيضا محاطا بمجموعة فطنة ممن يشاركونه الضجر بالواقع، والطموح لذلك المستقبل.

الطموح مهم، والتفكير في إمكانيات المستقبل ومعالجة معضلاته أيضا مفيد، لكن معياري الذاتي في تحديد جدوى الاهتمام الجاد بقضية دون أخرى: ما الأثر؟ أظن أن كثيرا مما يطرح في الأوساط الفكرية الشبابية ينسى أو يتناسى شيئًا فشيئا الحلقة المفقودة الأهم: كيف نغير الواقع؟

الأمر أشبه بأن تكون تائها في الصحراء وأن تمضي الوقت مفكرا: كيف سأعيش في واحة بهيّة عذبة ذات ظلال. ليس الإشكال أن تلك الواحة غير موجودة، أو أن الوصول إليها غير ممكن، ولا حتى أن التفكير في كيفية العيش فيها غير نافع: الإشكال أن الإغراق في هذا يهدر طاقات كان يمكن أن تصرف في فهم حدود تلك الصحراء، وإيجاد طريق للخلاص منها، أو -عل الأقل- تحسين الحياة فيها.

من المهم أن توجد رؤية عامة لمستقبل مأمول، فالرؤى هي البوصلة التي تحدد الاتجاه. لن تجد مثلا داعيشا يسعى لتنظيم العمال في نقابات، ولا أناركيا يجدد البيعة لأبي بكر البغدادي، لكن وفي ذات الوقت ثمة خطوط عريضة تجمع عددا مقبولا من الشباب المهتم. قد لا يكون ممكنا سرد تفاصيل الواقع المثالي المتفق عليه بعد تحقق تلك الخطوط؛ فلا أظن أن تلك التفاصيل موجودة ولا أظن أننا نحتاجها حاليا أصلا. الواقع الذي نتعاطى معه يحول بيننا وبينها وأجد فهمه أنفع. قد تكتشف أصلا أن تنظيرنا لتلك التفاصيل لم يكن دقيقا ولا عمليا ولا مثاليا حتى، وعموما أعتقد أن تلك الخطوط ستكون أكثر تفصيلا ودقة مع الوقت وستثريها التجربة، ويصاحبها في ذات الوقت تأمل نظري للرؤى دون إغراق في ذلك.

قائمة الأسئلة المستقبلية والجدالات الفلسفية والتاريخية التي أود الإجابة عنها تتقلص شيئا فشيئا. نعم، أجد المتعة في تأمل المستقبل أحيانا وفي تصفح ما يطرح بعض الفلاسفة والمفكرين، لكني لا أحرص على أن أشكل رأيا وموقفا ما لم أظن أني لي فيه أثرا.

مع المدونين العرب

يناير 27, 2014

ab14-logo-400-shadow
استضافت عمّان الأسبوع الماضي أربعة أيام مبهجة مفعمة لملتقى المدونين العرب 2014 حيث اجتمع مدونون من شتى أرجاء الوطن العربي ليتعارفوا ويتبادلوا الخبرات ويحكوا التجارب ويستعرضوا المشاريع. كان الملتقى قد عقد في 2009 في بيروت ثم في 2011 في تونس، وها هو يعقد مجددا في عمّان. تلقيت الدعوة من الأصوات العالمية، التي أدوّن فيها، وكانت فرصة مميّزة.

افتقدت هذه الدورة من الملتقى وجوها مميزة: علاء عبد الفتاح وباسل صفدي الذيْن حال دون حضورهما السجن، وآخرون من العراق وسوريا منعوا بسبب التأشيرة. أحد المدونين السوريين احتجز في مطار الملكة علياء في عمّان لسبع ساعات قبل أن يجبر على العودة من حيث أتى! صدقت عبير حين وصفت ما جرى بالعار.

ينقسم الملتقى لقسمين: الأيام الثلاثة الأولى مغلقة ومركزة وتعقد فيها ورش وجلسات نقاش، واليوم الرابع والأخير مفتوح للجميع وتحضره الصحافة وتعقد فيه ندوات ومناظرات. تولت حِبر (وهي مجموعة إعلامية شبابية أردنية) تنظيم الملتقى بإبداع ومرح: محمد القاق ولينا عجيلات وريم المصري ورمزي جورج وآخرون. تنسيق محمد وشطحاته الصباحية تستحق الكثير الكثير من الإطراء والثناء. كنّا نبدأ كل صباح بتمارين بديعة. :D

بدأ اليوم الأول بحلقة كانت مدخلا للتعارف: سأل محمد القاق أسئلة وطلب من الحضور أن يتحركوا لوسط الحلقة ليعرف الحضور المشتَرك بينهم: من منكم يُدوّن من سنة واحدة على الأقل؟ سنتين؟ ثلاثة؟ من حضر الملتقيات السابقة؟ من منكم والد لطفل واحد؟ طفلين؟ ثلاثة؟ وهكذا. بعدها تقدم خمسة مُيسّرين تحدثوا عن خمسة مسارات ستعقد صباح الأيام الثلاثة كلها: مسار الأمان الرقمي، ومسار التوعية والدفاع الإعلامي، ومسار تصوير البيانات، ومسار حوكمة الإنترنت، ومسار كتابة الأخبار.

انضممت لمسار تصوير البيانات وتمثيلها الذي قدمه كل من: رمزي جابر (من مشروع تصوير فلسطين) ومايا وغابي (من مؤسسة تاكتكال تك). في الصباح الأول تحدث رمزي عن تجربته العملية في التعريف بالقضية الفلسطينية (بعضها هنا)، واستعرض بعض الأفكار وتحدث خلالها عن أسس إيصال الرسالة واستبناط المعلومات وتحدث عن مقاييس يستخدمهما المشروع لقياس مدى الأثر: المقياس الكمي (بقياس الزيارات والتشارك) والمقياس الكيفي (بقياس نوع التأثير ومداه الذي سببه العمل). تحدثت مايا عن التصورات المختلفة لمختلف الثقافات عن تصوير البيانات وتمثيلها.

محررو الأصوات العالمية في الملتقى!


بعد استراحة الغداء انقسمنا لخمسة مجموعات وصاغت كل مجموعة قائمة بالمتطلبات التي يأمل أعضاؤها أن يتعلموها خلال الملتقى. من المتطلبات التي صاغتها المجموعة التي كنت فيها مثلا: تقنيات التدقيق الإملائي، والتعرف على حال الإنترنت في لبنان والسعودية، وتحديد الأولويات الإخبارية بكفاءة، وتحليل الشبكات الاجتماعية. بعد ذلك اجتمعت المجموعات المختلفة وقُرِئت المتطلبات وطُلب من كل من لديه القدرة على تلبية إحدى هذه المتطلبات أن يتطوع لإقامة جلسة في فترة ما بعد الظهر في الأيام الثلاثة، وهذا ما تم فعلا.

أعلنت جلسات ما بعد الظهر فحضرت جلسة عقدها ثلاثة أكاديميين يعملون على دراسة الشبكات الاجتماعية. تحدثت جودي دين عن مفهوم “الرأسمالية التواصلية”، وهو مفهوم صاغته في دراستها للقيم التي تنتشر في الشبكات الاجتماعية. ترى جودي أن تلك القيم امتداد للاقتصاد الذي تأسست عليه هذه الشبكات: الاقتصاد الرأسمالي، وأنها تعزز النظرة الفردانية التي يسعى فيها المُدوّن للترويج لذاته وللحرص على الحفاظ على الزيارات، والمتابعين، وأن ذلك كله يصاحبه تركيز على الكم لا الكيف واعتبرت في هذا السياق مصطلح “المدون العربي” نموذجا على التركيز الرأسمالي على الكم رغم الاختلافات الجذرية بين المدونين العرب وصعوبة خلق نموذج يجمع ما يمكن أن يسمى “مدونًا عربيا”، ثم تساءلت أخيرا عن دور ذلك كله على الحراك الراديكالي. أظن أن سؤال جودي يستحق التامل فعلا: ما القيم التي تعززها بنية الشبكات الاجتماعية، وكيف تؤثر على الحراك؟ لكني أتحفظ على جعل تلك القيم امتدادا للاقتصاد الرأسمالي، فثمة عوامل مختلفة اجتماعية وتقنية تساهم وبقوة في خلق القيم في تلك الشبكات. ستجد مثلا تباينًا في تعاطي مختلف البلدان مع الشبكات الاجتماعية، وتباينا بين مجتمعات المنصات المختلفة. لفت أحد الحضور الانتباه إلى أن عددا من النقاط التي طرحت مثلا تعتبر تصرفات بشرية فطرية لا ينبغي أن تربط بنماذج شبكية محددة. تحدث أكادميون آخرون عن مجتمع التدوين، وكيف يجري التواصل بين المدونين فرفض جون مثلا أن يعتبر التدوين “محادثة” واعتبره تصرفا فرديا للتعبير عن الذات يصاحبه -بشكل غير مباشر- خلق ثقافة عامة يجري من خلالها التواصل وتعميم الأفكار والمفاهيم.

في اليوم الثاني وصل للملتقى مشاركون فاتهم اليوم الأول. سعدت جدا بلقاء رنوة يحيى من أضِف (وهي مؤسسة مصرية أعزّها كثيرا!)، ووصل شباب من المغرب منهم زينب، وحنان. واستؤنفت الجلسات الصباحية وخضنا في جلسة تصوير البيانات تدريبا عمليا حاولنا فيه جمع معلومات شخصية واستبناط العلاقات بينها، ثم تصويرها بيانيا. بعد هذا النشاط تحدثت غابي وطارق عمرو عن بعض أدوات تنظيف البيانات المبعثرة واستخراج المهم منها (منها: OpenRefine و Mr. People)

في فترة ما بعد الظهر حضرت جلسة لنشرة المواطن الرقمي، وهي نشرة شهرية توثّق حال الحريات الرقمية في الوطن العربي (آخر نسخة هنا، وهنا الاشتراك). كانت الجلسة استعراضا لهدف النشرة ونقاشا لأدائها تَبع ذلك أن توزّعنا على مجموعات تناقش كل مجموعة جانبا من جوانب النشرة: زيادة قرائها، واستقطاب كتاب لها، وتحسين عملية صياغتها وتجهيزها.

رسائل من ملتقى المدونين العرب، بعدسة عامر سويدان

رسالتي من ملتقى المدونين العرب: “المعلومات قوة، وككل قوة، ثمة من يريد الاستئثار بها لنفسه.” من بيان طلائع النفاذ المفتوح.
بقية الرسائل هنا، بعدسة عامر سويدان.

في اليوم الثالث استؤنفت الجلسات الصباحية وحضرت بعد الظهر جلسة قدمها مجموعة من السوريين. تحدثت ليلى عن مشروع “سوريا ما انحكت” لتوثيق الحراك المدني السوري من جهات إعلامية وفرق إغاثية وبناء المجتمع. تحدثت مارسيل -التي قدمت من حلب للملتقى!- عن قصتها الشخصية وعن انخراطها في الحراك، وعن اغتيال النظام لوالدتها، ثم تحدثت عن حال حلب وسيطرة داعش وطردها وانتقدت بشدة المنظمات الدولية التي لا تفهم ما يحتاجه الشباب في سوريا ومثلت على ذلك بدورات “السلم الأهلي” التي تقيمها تلك المنظمات، واستقطابها للشباب خارج سوريا ورفضها لأن تدعم الشباب النشط الذين يعملون في الداخل (تحرزا من أن يصابوا بالضرر فيلاموا). تحدثت عن غياب الغالبية العظمى من السوريين عما يجري على الإنترنت بسب قطع الإنترنت والتكلفة العالية لإنترنت الأقمار الاصطناعية التي تبلغ قيمتها لستة أشهر 1500 دولار. حكت عن قصص صغيرة من التكافل، والتضحية، والتعايش.

افتتح اليوم الرابع بكلمة لهشام المرآة. بدأها بغزل ببغداد العلم والمعرفة والنهضة والنور، وأننا من هنا نسعى لأن نخلق بغدادًا جديدة تحي تلك النهضة عبر الإنترنت. تحدث عن المدونين الذين منعهم السجّان من الحضور، وتحديدا علاء عبد الفتاح في سجن القاهرة وباسل صفدي في سجن دمشق. عقب ذلك ندوة عن دور المدونين في المرحلة الانتقالية، ثم مناظرة عن العبارة التالية: “الحجب لم يعد مهما، ما يهم الآن هي المراقبة”. دافع عمرو ومورغان عن هذه العبارة، وعارضها وليد وإيلري. تحدث عمرو عن المشاكل الجوهرية في بنية الإنترنت والعلاقة الحتمية بين المراقبة والحجب، وتحدث مورغان عن تجربة الفيلسوف البريطاني جريمي بنثام: أن احتمالية المراقبة بحد ذاتها (ولو لم تكن المراقبة مؤكدة) ستلزم الشخص بأن يُقيّد نفسه. في المقابل تحدثت إيلري عن أن الحجب بحد ذاته لا يزال معضلة وذكرت أن حوالي 3% من الصينيين فقط لديهم أدوات للتغلب على الحجب. بعد ذلك عقدت ندوة “فنانو الثورة و الثقافة المضادة”. تحدث رضا زين عن أهمية الفن الحر (أو شبه الحر) في خلق شبكة فنية ومجتمع فني، وعن ضرورة خلق وسائل لا رأسمالية للتمويل، ورفض أن يعتبر الراب أو الجاز نماذج غربية بل اعتبر تأسيسها خروجا عن السائد في السياق الغربي ذاته. علّقت مارسيل أن الراب والجاز ليست أغانٍ يفهمها معظم الناس، ومثّلت على عودة الحداءات السورية الأصيلة في هتافات المظاهرات.

تخلل هذه الأيام الأربعة جلسات ثرية جدا مع شباب رائعين تعلو على كل ما ذكرت أعلاه في البرنامج الرسمي وتعلمت منها الكثير. أعرف أني لن أستطيع التوقف إذا بدأت بشكرهم فردا فردا، ولذا فلن أبدأ. :D كنت قدِمتُ للملتقى بتساؤلات لمحاولة فهم استخدام الشبكات الاجتماعية وتحليلها، وناقشت أفكار كثيرة ثرية في هذا السياق، والتقيت أخيرا بمن هم وراء مؤسسة الجبهة الإلكترونية، وهي مؤسسة معنية بالدفاع عن الحريات في العالم الرقمي ودراسة طرق التجسس والحجب وتطوير أدوات لمكافحتها. كنت قد شاركت في مشاريع المؤسسة التطوعية لسنين.

الغاية من هذه الملتقيات مهمة: ثمة مجال للتعلم والتأمل في تجارب مختلف الأقطار العربية، وثمة فرصة لدعم جهود يندر الحديث عنها وتغطيتها، وثمة متسع للسعي والمواصلة على شتى الجبهات عسى أن يخلق هذا بريق أمل. تقول رنوة: “أملي هو الأمل”.

تدوينة صوتية: قراءة في كتاب وهم الإنترنت

أكتوبر 20, 2013

أول تجربة لتدوينة صوتية هنا.

تضبط؟

عن ويكيمانيا 2013

أغسطس 20, 2013

أختتم الأسبوع الماضي مؤتمر ويكيمانيا 2013 وهو المؤتمر السنوي لحركة ويكيميديا الذي تعرض فيه أبحاث وتروى فيه تجارب وتعقد فيه ورش عمل وعصف ذهني عن نشر المعرفة الحرة عبر ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة. هذه الدورة الثالثة من ويكيمانيا التي أتمكن من حضورها بعد عام 2010 في غداسنك وعام 2012 في واشنطن. حضر هذه المرة من العرب تسعة: أحمد وآية وعبد الناصر (من برنامج ويكيبيديا لتعليم في مصر) ورشاد (شاب يهمه رفع الوعي التقني في المجتمع اليمني) ورڤان وزكريا وعبّاد ومحمد عودة (المساهمون المخضرمون في ويكيبيديا). عُقِدت هذه المرة -ولأول مرة- جلسات قدمها مساهمون عرب وجلسات عن ويكيبيديا العربية خصّصتُ لها قسمًا في آخر هذه التدوينة، قبل الخاتمة.

الافتتاح

أفتتح المؤتمر بعرض تنانين صينية ظريفة وبفرقة غنائية أدمت أذاننا بصخبها وأيقظتنا في ذات الوقت. :p تلى ذلك كلمة قصيرة لرئيس وحدة المعلومات في حكومة هونغ كونغ الذي تحدث عن أن نسبة الوصول للإنترنت في هونغ كونغ 280% (بحكم امتلاك كثيرين أكثر من جهاز محمول متصل بالإنترنت) وبأن معدل سرعتها 57 ميغابت/ثانية وذلك هو الأسرع عالميا، لكنه كمسؤول حكومي كان -كما هو المتوقع- متطفلا عن المجتمع إذ بدأ بتحية شخصية لمؤسس ويكيبيديا جيمي ويلز -وهو ما لا ينبغي فعله في مؤتمر مجتمعي- وبتعريف بموسوعة ويكيبيديا -في مؤتمر يفترض أن من فيه خبراء بدقائق الموسوعة وكواليسها- ثم افتخر بأن هيرتج فاونديشن (وهي ذراع فكري لليمين المحافظ الأمريكي) اعتبرت هونغ كونغ أكثر بلد يمنح الحرية للشركات.

التنانين ترحّب بالويكيبيديين (CC BY-SA 3.0)

بعد ذلك ألقى الكلمة الرئيسية لليوم الأول من المؤتمر ماكوتو أوماكوتو وهو باحث ياباني تحدث عن مشروع saveMLAK، وهو موقع تعاوني يعمل بتقنية الويكي أطلقه في اليوم التالي للزلزال الذي ضرب اليابان في 11 مارس 2011 ليوثّق المكتبات والمتاحف والأراشيف وغيرها من المؤسسات الثقافية التي تضررت من الزلزال ليتمكن الناس من حصر الخسائر ويتعاونوا على ترميمها. تمكنوا من توثيق 934 مؤسسة متضررة ولعب الموقع دور الوسيط في جمع المال لبناء عدة مكتبات عامة.

بعد ذلك ألقى جيمي ويلز كلمته السنوية “حالة الويكي”، وابتدأها بالحديث عن أنه لأول مرة خلال سنة واحدة كسرت 4 ويكيبيديات حاجز المليون مقالة وهي: الروسية والإيطالية والإسبانية والسويدية (الأخيرة استخدمت برنامجًا آليًا لتوليد مئات آلاف المقالات عن قرى ومدن)، كما انتقد الصين وإصرارها على رقابة ويكيبيديا وحجب بعض مقالاتها لأن ذلك يقيّد الصينيين ويحرمهم من “حق الاشتراك في رواية القصة الإنسانية”، وأن ذلك حق يعلو على السلطات ويجب أن تحترمه. بعد ذلك حيّى مساهمي ويكيبيديا الفرنسية الذين تصدوا للمخابرات الفرنسية التي طالبتهم بحذف مقالة عن برج عسكري فرنسي بحجة أنها تشي بمعلومات سرية (رغم أن المقالة استندت عن مصادر منشورة مسبقا)، وأعلن أن جائزته السنوية (“ويكيبيديّ السنة” الذي يُمنح 5000$) ستذهب للإداري الفرنسي الذي استدعي وُهدّد. تسبّبت المخابرات الفرنسية بضجة حول المقالة وترجمة لأكثر من 28 لغة (منها العربية طبعا!) أثنى أيضا على عميل وكالة الأمن القومي الأمريكية إدورد سنودن الذي وشى بعدة عمليات تجسس تقوم بها الحكومة الأمريكية لكنه استعرض الأسلوب الذي تعاطى الإعلام معه خبره وتركيزه على حياته الشخصية وأن حبيبته راقصة جميلة بدلا من التركيز على أن الحكومة تعتدي على ملايين المواطنين وذكر أنه يبحث إطلاق مشروع إعلامي بديل يجعل للقراء رقابة حقيقة على الصحفيين ومكانة تكافئهم في تقرير ما الأخبار المهمة إن لم تكن مكانة تعلو عليهم، لكنه أكد على أن المشروع لا يزال فكرة وأنه سيسعد بلتقي أي مرئيات عن الأسلوب الأمثل لخلق هذه الوسيلة الإعلامية المجتمعية. اختتم الكلمة بعرض مقطع فيديو يشكر فيه المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيميديا التي ستغادر المؤسسة خلال السنة القادمة.

الأبحاث

في كل سنة يلقي بنجامين ميكو هِل (وهو ناشط معروف في مجتمعي البرمجيات الحرة والثقافة الحرة) كلمة يستعرض فيها الأبحاث التي أجريت على ويكيبيديا. أجري السنة الفائتة حوالي 800 بحث على ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة واختار منها 6 أبحاث. البحث الأول أجراه باحث متخصص في تأريخ الموسوعات ودراسة نشأتها وحدّد ثلاثة مراحل تُتّبع تاريخيا لكتابة كل موسوعة: 1) البحث عن المعلومات، 2) تجميع المعلومات، 3) صياغتها جماعيا. رأى الباحث أن موسوعة ويكيبيديا لا تعتبر قفزة على هذا السياق التاريخي. البحث الثاني أجراه باحث لغوي تمكن من إنتاج شبكة ضخمة تربط الكلمات بمرادفاتها وأضدادها اعتمادًا على مشروع ويكاموس الشقيق لويكيبيديا، وهذا -حسب ما أتصور- مهم جدا للذكاء الصناعي. الجيد في الموضوع أن الباحث أطلق الأداة التي طوّرها برخصة حرة ليتمكن الجميع من الاستفادة منها وتوليد الشبكة كلما تطوّر القاموس. البحث الثالث عن جودة ويكيبيديا، وأشار ميكو إلى أن الأبحاث التي تتناول هذا الجانب لا تنال اهتمام الويكيبيديين رغم إمكانية التعاون مع الباحثين في تصحيح الأخطاء التي يجدونها. البحث الرابع عن صفحات النقاش وعلاقة القراء بها إذ وجد البحث أن القراء عادة لا يعرفون أن صفحات النقاش موجودة أصلا، وأنهم إذا عرفوا أنها موجودة يُقيّمون المقالات تقييما أقل من تقييمها قبل أن يكتشفوها لكن نظرتهم لويكيبيديا تتحسن (أتصور لأن صفحات النقاش تستعرض جوانبًا خلافية قد يكون القراء قد سهوا عنها، لكنهم أيضا يستوعبون أن خلف ويكيبيديا مجتمع نشط من المحررين الجادين الذين يسعون لتحسين مقالاتها). البحث الخامس اعتمد على المنهجية التي يتبعها باحثو النصوص في تحليل الكتابات التي يشترك في تأليفها عدة أشخاص لتحديد الأجزاء التي كتبها كل شخص اعتمادا على تنوّع أنماط التأليف. غاية البحث إيجاد وسيلة آلية لاكتشاف “دمى الجورب” (وهي حسابات عدة يديرها شخص واحد لخلق تأييد وهمي للتأثير على مجرى النقاش). توصّل الباحثون إلى طريقة آلية مكّنتهم من اكتشاف 80% من حالات دمى الجورب آليا. البحث السادس تناول الملاحظات التي يتبادلها الويكيبيديون وأثرها على الناس. خلص البحث إلى أن الويكيبيديين القدامى لا تؤثر عليهم الملاحظات بعكس الجدد (نسيت حقيقة نوع التأثير :))

بعد كلمة بنجامين تحدث ويكيبيديان من السويد عن استطلاع أجرياه على أعضاء البرلمان السويدي للتعرف على نظرة المؤسسة التشريعية لويكيبيديا. شارك 98 عضوا من أصل 349 لكن الباحثين أشارا إلى أن الذين شاركوا في الاستطلاع هو غالبا المتعاطفين مع الموسوعة وهذا قد يسبب تحيّزا في البحث. نوّه الباحثان أيضا إلى أن تمثيل الذكور في البرلمان السويدي أعلى، لكن تبيّن أن نسبتهم 53% فقط. سألت أحد الباحثين عن التفاوت في التعاطي مع الموسوعة بين الأحزاب اليمينية واليسارية للموسوعة فقال أن اليسار أكثر تعاطفًا معها (حزب الخضر مثلا). إجراء هذا البحث في السعودية سيكون أسهل لأن “المؤسسة” التشريعية يسيطر عليها شخص واحد. :D

بعد ذلك حضرت كلمة أخرى لبنجامين ميكو هِل استعرض فيها مع آرون شاو بحثا أجرياه عن “بيئة الويكيات” حيث حللا بيانات حصلوا عليها من موقع ويكيا (وهو موقع ضخم يستضيف مواقع الويكي) ليقارنوا علاقة حجم الويكي بالمساواة بين مساهميها، وتنافسها على أوقات المحررين وجهودهم. لا تزال أطروحتهما في طور البحث، ولا تزال النتيجة التي خلصا لها ليست واضحة.

استراحة قهوة في المؤتمر (CC BY-SA 3.0)

بعدها استعرض باحث من جامعة ستانفورد بحثًا أجراه عن القيود التي نشأت في ويكيبيديا وعنون لكلمته بـ”الأخ الأكبر يراقبنا“. تحدث عن أن الطبقية والتراتبية (كوجود حكام ومحكومين) ليست هي الوسيلة الوحيدة للقهر في المجتمعات بل يمكن أن ينتج القهر بين الأنداد، وأن تراكم السياسات وإرشادات التحرير يخلق “عصابة” متمكنة تجد لكل رأي لها سندًا في السياسات. تحدث أيضا عن أن المساواة في ويكيبيديا ليست تامّة فمثلا في حين يساهم المجهولون بربع محتويات ويكيبيديا، لا تمثل أصواتهم إلا جزاءً واحدًا من عشرين جزءًا (1/20) حين اتخاذ القرارات فيها. عقب الكلمة نقاش اعترض فيه بعض الحضور على أن الباحث قال أن في مجتمع ويكيبيديا ما يشبه برج المراقبة لتوجيهه، وشبهوا المجتمع ببيت جدرانه من زجاج يرى كل واحد كل ما يفعله الآخرون مما يسبب ضغطا كبيرا بين الأنداد.

مشروع GLAM

حضرت بعد ذلك جلسة لمشروع GLAM (وهو مشروع لحث المعارض والمكتبات والأراشيف والمتاحف على تحرير ما عندها من مواد ونشرها عبر ويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة). تحدث فيه ويكيبيدي ألماني عن استراتيجية لتحريض الحكومات على نشر ما عندها من بيانات. يقول أن الاعتراض الذي يتكرر كثيرا أن المؤسسات الحكومية ستخسر مصدرا للدخل إذا نشرت ما تملك من بيانات برخصة حرة فطلب من نائب في البرلمان الألماني أن يستفسر رسميا عن مقدار الدخل الذي تتلقاه الحكومة من ترخيص ما تنتج من بيانات. تبين أن الشرطة الفيدرالية الألمانية مثلا تكسب 128 يورو فقط من ترخيص البيانات سنويًا، أما الحكومة الألمانية مجملا فلا تكسب سوى 5 ملايين وهو ما يكافئ 0.0018% من ميزانيتها السنوية. أحيانا يشتكي المعارضون من أن إتاحة المواد وتسليمها لمن يطلبها مكلف بحد ذاته وأن حقوق النشر مفيدة لتسديد تلك التكاليف. رأى المتحدث أن الواجب هنا أن تسمى تلك التكاليف باسمها: “تكلفة تسيلم”، بدلا من أن تستخدم حقوق النشر لتسديد تلك التكاليف التي لها آثار سلبية مهولة. شارك بعض الحضور تجاربهم في الضغط على الحكومات فذكر ويكيبيدي فرنسي أن للقضية بعدا سياسيا في فرنسا لأن بعض السياسيين قد يحرصون على زيادة ميزانية جهة معينة (كالمتاحف العامة) فلا يجدون وسيلة لزيادتها مباشرة فيحرصون على أن يبيع المتحف تراخيص لاستخدام ما عنده من مواد إلى بقية الجهات الحكومية لكن هذه الوسيلة بحد ذاتها مكفلة لأنها تجبر المتحف على وضع البنية التحتية لهذا البيع فيضطر لإنشاء قسم محاسبة وقسم قانوني وهذه الوسيلة الملتوية غير كفوة لزيادة الميزانية، عدى أثرها في تقييد المعارف.

فيما يخص عالمنا العربي المشكلة أكثر تعقيدا لأن الحكومات لا تنشر أصلا ما عندها من بيانات ناهيك عن أن تسمح باستخدامها. ثمة مبادرة في تونس للحوكمة المفتوحة لحث الحكومات على أن تعمل بشفافية، وأظن أن هذه الخطوة ينبغي أن تكون نقطة الانطلاقة في أي بلد يسعى لأن تحرّر فيه البيانات الحكومية.

الإنترنت في وسط الصين وهونغ كونغ

ألقى الكلمة الرئيسية في اليوم الثاني رجل أعمال من هونغ كونغ هو أول من أسس شركة اتصالات في المدينة وكانت مقارنة بين الإنترنت في وسط الصين وفي هونغ كونغ. حُجبت في ويكيبيديا في وسط الصين سبع مرات من عام 2004 إلى عام 2013، وحاليا بعض المقالات محجوبة والاتصال الآمن (HTTPS) بالموسوعة كله محجوب. أشار إلى سبعة محرمات لا يجوز الحديث عنها في الإنترنت في وسط الصين: المجتمع المدني والحقوق المدنية والقيم الكونية ورأسمالية المحسوبية (وهي تدعي الشيوعية!) وأخطاء الحزب الشيوعي وحرية الصحافة واستقلال القضاء. معظم الخدمات الشهيرة عالميا محجوبة في الصين لكن لها بدائل محلية تخضغ لسلطة الدولة. أشهر بديل لتويتر مثلا Weibo وذكر المتحدث أنه أفضل تقنيا من تويتر. ثمة موقع يوثق ما يُحذف من تلك الخدمة ليسهل دراسة عقلية الرقيب الصيني. أشار إلى أن خدمات VPN غير محجوبة في الصين لأن الشركات تعتمد عليها كثيرا، لكن تكلفتها فوق قدرة الغالبية العظمى من الصينيين. كيف يتغلب الصينيون على الحجب إذا؟ يسعون لتناول المواضيع الحساسة دون أن يقعوا على المحظور ذاته، ويستخدمون صور GIF التي لا يمكن مراقبة ما يكتب فيها آليا ويخترعون بين فترة وأخرى مصطلحات جديدة للإشارة إلى المواضيع المحظورة. مثلا في 2010 فاز ناشط صيني بجائزة نوبل وكان مسجونا فوضعت القلادة على كرسي فارغ في حفل التكريم فاستخدم الصينيون صورة الكرسي للإشارة لما حدث.

انتقل بعد ذلك للحديث عن القيود على الإنترنت في هونغ كونغ إذ يوجد قانون يمنع “التصرفات الإجرامية” على الإنترنت وهو فضفاض يمكن أن يدان بناءً عليه من ينتحل اسم الحكومة على الإنترنت ومن يشترك في هجمات DDoS. تحاول الشركات أيضا أن تضغط على الحكومة لتلاحق الذين يتشاركون الملفات والموسيقى بحجة فرض حقوق النشر. من ناحية أخرى قدمت حكومة هونغ كونغ أكثر من 13 ألف طلب بيانات من مواقع الإنترنت خلال 3 سنوات.

التعليم

تحدث معلم سويسري عن تجربته في تعريف ويكيبيديا لطلاب المرحلة المتوسطة فهو يُدرّس علوم الحاسوب ويُعرّف طلابه على الموسوعة وأسلوب التعامل معها والمساهمة لها كجزء من المقرر فيطلب منهم في البداية أن يبحثوا موضوعا معينًا في الإنترنت (يكون الموضوع حديث الأخبار عادة) ثم يناقش معهم وثوقية المصادر التي جلبوا منها معلوماتهم (ووجد أنهم باستمرار يظنون أن ويكيبيديا هي المصدر الأكثر وثوقية) ثم يعلمهم على الموسوعة.

حضرت أيضا كلمة ألقاها اثنان: طبيب نشيط في إثراء مقالات ويكيبيديا الصحية ورئيسة منظمة مترجمون بلا حدود وهي مؤسسة خيرية تجمع مترجمين متطوعين لأغراض “إنسانية”. تحدثا عن الأهمية البالغة لويكيبيديا في نشر الوعي الصحي كمرجع يلجأ إليه مئات الملايين وعن نقص المراجع الصحية العمومية الأخرى (إما لسطحيتها البالغة أو لرداءتها). حدّد الطبيب من 80 إلى 100 مقالة مختارة وجيدة باللغة الإنجليزية وراجع بعضها وحدثها ودققها. بعد ذلك تُبسّط المقالات الإنجليزية وتستخدم فيها مصطلحات عامة لتسهل ترجمتها. ثم ينجز الترجمة شخصان: أحدهما يجري الترجمة الأولى والثاني يدققها. سأله بعض الحضور عن خطر أن تعتبر ويكيبيديا مرجعا للمعلومات الصحي فشدّد على أنه لا يوجد أي مرجع صحي موثوق كله ولا سيما مع الاكتشافات المتسارعة في المجال الصحي والسقطات التي لا تغيب حتى عن الكتب الرصينة وعلى ضرورة التعامل النقدي مع ويكيبيديا ومع كل مرجع.

المؤسسة

تحدث مشرف برنامج المنح في مؤسسة ويكيميديا عساف بارتوف عن سياسة المؤسسة الجديدة تجاه “الجنوب العالمي” (والمصطلح عموما مصطلح استعماري أكّد عساف أنه سيء لكنه ذائع). شدّد على أن ويكيبيديا تمنح قوة وتمكينا لمن يساهم فيها لأنه سيكون قادرا على توثيق نظرته في مرجع عالمي مهول وأن نقص تمثيل أي جماعة يعني أن الموسوعة ستكون متحيزة ضدهم ولن تنتجح في نقل تصوراتهم واهتمامتهم. يعيش 81% من سكان العالم في “الجنوب العالمي” لكن نسبة المساهمين لويكيبيديا من ذلك الجزء لا تتعدى 21% ونسبة المشاهدة 25%. تحدث عساف عن بعض المبادرات التي أطلقتها المؤسسة وشجّعتها وأن من أكثرها نجاحا مبادرة النسخ المتوفرة من غير اتصال لأنها وسّعت أفق كثيرين ممن لا يملكون الاتصال بالإنترنت وجعلت مرجعا ثريا في متناول أياديهم. أشار أيضا إلى نجاح مبادرات “ويكيبيديا صفر” لتصفح ويكيبيديا من غير تكلفة وطبقت في عدة دول (منها السعودية عند استخدام STC) انتقل عساف بعد ذلك للحديث عن المبادرات التي لم تنجح وذكر أن المهرجانات العامة التي تلقى فيها كلمة للعموم لا تحقق أثرا يذكر رغم أن تجمع الناس يشعر المنظمين بشيء من السعادة. ذكر أيضا أن المؤسسة قررت ألا تعمل في أي بلد لا توجد فيه نواة قوية من المهتمين المخلصين للمشروع الذين يعملون بأنفسهم دون أن ينتظروا جزاءً أو شكورًا وأن المؤسسة مستعدة لمد يد العون لكل فريق كهذا، لكن غياب هذه الفرق إحدى المشاكل الجوهرية التي يعاني منها “الجنوب”. يرى عساف أن برنامج التعليم يعد بخلق فرق مهتمة كهذه، لكن من الصعوبة بدء برنامج تعليم في مكان لا يتوفر فيه هذا الفريق وهنا نعود لمعضلة البيضة والدجاجة. تحدث عساف أيضا عن توقف المؤسسة عن توظيف أشخاص يعملون على تنمية المجتمعات الويكيبيدية “في مكان الحدث” (ولذا لم تُوظّف المؤسسة بديلا لمشيرة لمّا غادرت) وأنها بدلا من ذلك اتجهت لتمويل المؤسسات المحلية التي لها أهداف تتقاطع مع مؤسسة ويكيميديا شريطة أن تكون مؤسسات غير هادفة للربح وأن تعمل مع مجتمع ويكيبيديا المحلي. أخيرا ذكر عساف أن المؤسسة قررت التركيز على دول محددة بناء على عدد سكانها ونسبة الوصول للإنترنت ومستوى اللغة في ويكيبيديا وقدرة المؤسسة على خلق تأثير إيجابي في البلد وأن البلدان المستهدفة حاليا: الهند والبرازيل والفلبين والأرجنتين والمكسيك وأندونيسيا وتركيا ومصر.

ألقت المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيميديا سو غارندر الكلمة الرئيسية في اليوم الثالث والأخير فتحدثت عن ثلاثة جوانب عملت عليها المؤسسة خلال السنة الماضية: جذب المحررين، وتصفح الموسوعة وتحريرها من الجوال، وبرنامج المنح (الذي يشرف عليه عساف). استعرضت سُو رسالة جديدة صارت تعرضت للمسجلين الجدد في الموسوعة تعرفهم على عدة سبل للمساهمة خطوة خطوة، وذكرت أنه عند عرض الواجهة التقليدية يجري 20% من المسجلين تعديلهم الأول خلال 24 من التسجيل لكن النسبة ارتفعت إلى 22% مع الرسالة الترحيبية الجديدة (و 2% نسبة لا يستهان بها فعلا). تحدثت أيضا عن المحرر المرئي وذكرت أن المؤسسة تأخرت في إنجاز هذه المهمة لأنها كانت أصغر من أن تقدر على إنجاز مهمة ضخمة كهذه قبل عام 2009. قالت أن من الأشياء التي ستعالجها المؤسسة تصميم صفحات النقاش التي لا يفهمها المستخدمون الجدد. فيما يخص المنح ذكرت سُو أن المؤسسة سترفع المنح من 5.8 مليون إلى 8 ملايين خلال السنة القادمة. فيما يخص الجوال ذكرت سُو أن 3014 محررا ساهموا للموسوعة في الأسبوع الأول من إتاحة التحرير عبر الجوال وأن 65% منهم جدد. أخيرا عبرت سُو عن سعادتها بما وصلت إليه ويكيبيديا خلال السنوات القليلة الماضية وكيف أنها تحولت من نكتة هواة إلى مشروع تساهم فيه جامعة هارفرد.

الجلسات العربية

الويكيبيديون العرب الذين حضروا ويكيمانيا 2013

لأول مرة ساهم العرب بجلسات لمؤتمر ويكيمانيا. ثلاثة جلسات! أحسن عبّاد في تلخيصها ولذا سأكتفي بذكر ما لم يتطرق له وبتبيين وجهة نظري.

في الجلسة الأولى تحدّث زكريا -ببراعة- عن عيوب واجهة الموسوعة التي تشتت المستخدمين وتصعّب عليهم أداء المهام وذكر أن الواجهة ينبغي أن تكون أكثر قابلية للتخصيص لتتناسب مع المهمة المطلوبة بدلا من استخدام صفحة تعديل واحدة لأداء كل المهام وأوضح أن استخدام فيسبوك مثلا لا يتطلب قراءة أي تعليمات لأن الواجهة واضحة وتلائم كل غرض على حدة بينما يجد المساهم للموسوعة قائمة طويلة بالتعليمات عند أداء أي مهمة؛ وأشار أخيرا -بعد أن سألته- أنه عمل على إصلاح هذا الخلل في ويكيبيديا العربية (لكن زكريا يعمل بصمت :)). في الجلسة الثانية عقدت آية وأحمد وعبد الناصر ورشة عن المصاعب التي يواجهها مساهمو ويكيبيديا العربية. استعرض عبد الناصر في البداية مشاكل الترجمة عموما (وأظن أنه تناولها بتشعب)، وتحدثت آية عن مقترحات لدعم المساهمين العرب أكدت من بينها على أن تحرير الموسوعة من المنطقة العربية بطيء واقترحت أن توضع خوادم في المنطقة العربية لتحسين الأداء لكنها أشارت إلى أن وجود الخوادم يتطلب إنشاء مؤسسة ويكيميديا محلية تحظى باعتراف قانوني لتتولى إدارة الخوادم في المنطقة وأن علينا أن نسعى لذلك. أخيرا في الجلسة الثالثة تحدث محمد مصطفى وآية وليانا (مسؤولة العلاقات العامة في برنامج التعليم العالمي) عن برنامج التعليم في مصر وإنجازاته خلال السنتين الماضيتين. ذكروا أن نسبة النساء 87% وأن معدل بقاء المساهمين في الموسوعة 3-4% (لكن النسبة لا تشمل الذين يتطوعون بعد في تنظيم البرنامج نفسه).

اختلفت مع ما طُرِح في الورشة التي تناولت الصعوبات من عدة جوانب: أولا ينبغي فحص المشاكل التقنية بدقة وتأنٍ قبل أن نخلص لحلول مقترحة بعينها، وهذا ما لم يتم (في الحقيقة ذكر عبّاد أنهم لما سألوا مديرة التطوير في المؤسسة -بعد الورشة- عزت البطئ لامتداد المراجعات المعلّمة الذي تستخدمه ويكيبيديا العربية لا لبعد الخوادم). ثانيا المنطقة العربية تحت وطأة أنظمة قمعية لا يمكن أن نأمن على حرية الموسوعة إذا كانت خوادمها فيها لأننا سنكون ملزمين بتسليم السجلات لأجهزة “الأمن” عندما تطلب ذلك وسنضطر لحذف المحتويات التي لا تريد الأنظمة أن يقرأها الناس. رد بعض الحضور عن أن الأنظمة الغربية التي تلاحق جوليان أسانج وإدورد سنودن وتتجسس على العامة أيضا ليست حرة، وأتفق مع ذلك تماما لكن مغالطة كبيرة أن نساوي قمع الأنظمة الغربية بقمع الأنظمة العربية. ثمة هامش أوسع بكثير للتشهير بالحكومات والتصدي لها في بعض الأنظمة الغربية وعلينا أن نستفيد منه. ثالثا خبرتنا المحدودة وعددنا القليل وتشتتنا بين الدول لا يساعد أبدا في أن ننشئ مؤسسة محلية ذات كيان قانوني تغطي العالم العربي، ولهذه النقطة سأعود أدناه.

عقدنا في اليوم التالي لقاءً بين الويكيبديين العرب لنبحث الخطوة التالية. ثمّة ثلاثة منظومات تجمع مساهمي الموسوعة: مؤسسات ويكيميديا المحلية (Chapters، وهي كيانات مستقلة مسجلة قانونيا تعمل في حدود دولة محددة وتحظى باعتراف المؤسسة)، والمنظمات المتخصصة (Thematic، وهي كيانات مستقلة مسجلة قانونيا تُعنى بغرض معين دون أن تقيدها حدود دولة محددة وتحظى باعتراف المؤسسة)، ومجموعات المستخدمين (وهي كيانات مستقلة ليس لها اعتراف قانوني تُعنى بغرض معين وتحظى باعتراف المؤسسة وتمويلها، مثل تجربة البرازيل التي دوّنت عنها السنة الماضية). رأيت أن علينا تحديد البرامج التي نريد تحقيقها في العالم العربي قبل أن نخلص إلى منظومة محددة بعينها لأن المنظومة -أيا كانت- ليست غاية بل وسيلة لتحقيق تلك البرامج.

طلب زكريا من كل واحد أن يحدد برنامجًا يراه الأكثر أهمية حددنا: GLAM والويكي تهوى المعالم وبرنامج التعليم والخوادم. استثنينا سريعا المنظومة الأولى (مؤسسة ويكيميديا محلية) لأننا لا يمكن أن نكتفي بحدود قطر عربي واحد بل طموحنا العالم العربي كاملا، ثم حاولنا التفضيل بين النوعين الآخرين. رأى بعض الزملاء أن التمثيل القانوني مهم للغاية لأن بعض الدول العربية ترفض العمل مع أفراد وتطلب تمثيلا قانونيا ومؤسسة ويكيميديا غير قادرة على أداء هذا التمثيل من أمريكا لأن ذلك قد يعتبر ضربا من ضروب الهيمنة الأمريكية. رأى آخرون -وكنتُ منهم- أن المهم في المرحلة الراهنة أن نحدد خطة واضحة نعمل لإنجازها كمجموعة (ولم يسبق لنا أن صُغنا خطة ولا أن عملنا سويًا) وأنه ثمة مجال واسع لوضع هذا البرنامج وتنظيم الجهود واقتناص الفرص دون تضييع الوقت والجهد في علاج المعضلات القانونية واختيار البلد الأمثل ولاسيما أنه ليس لأي منا خبرة في التعامل مع هذه الأمور. كان رأيي أن ما نعاني منه ضعف المبادرة، لا غياب الغطاء القانوني وأنه ثمة فرص دائمًا للمهتمين في كل قطر أن يجتمعوا ويبحثوا عن الفرص المتاحة أمامهم دون أن يقف القانون عائقا أمامهم، لكن هذا التجمع لم يحدث، وعلينا أن نوجده في البداية ثم تكون الخطوة التالية -إن استلزم الأمر- كيان قانوني معترف به. تسآل بعض الزملاء عن القيمة التي ستضيفها مجموعة المستخدمين على مجموعات فيسبوك الموجودة حاليا، والفرق -حسب وجهة نظري- أنه سيكون لنا كيان واضح ذو خطة محددة تعترف به المؤسسة وتموله. لم نخلص لتوافق محدد.

تحدثت لاحقا مع مسؤول لجنة الاعتراف في مجتمع ويكيميديا وأخبرني أننا إن كنا نهدف لتأسيس منظمة متخصصة تمثل العالم العربي فعلينا أن نجد مساهما نشطًا واحدًا على الأقل في كل قطر عربي. أشار إلى أن بعض المشاكل التي ترد نظريًا قد لا يكون لها أثر حقيقي عند الممارسة العملية واقترح أن نبدأ أوليا بمجموعة مستخدمين تجمع المهتمين الذين يجربون العمل على أرض الواقع ويحددون العقبات التي يواجهونها ليتخذوا الخطوة القادمة عن بيّنة.

الخاتمة

المؤتمر تجربة جيدة جدا، جدا وفرصة متميزة للمشاركة في نقاشات عميقة عن مستقبل المعرفة الحرة وإطلاق المبادرات التي تقرّبنا للأهداف الكبيرة. تمكنت من حضوره بفضل منحة من مؤسسة ويكيميديا. أسعدتني الفرصة.

مشروعٌ للصيف: حرّر طفلا

يونيو 8, 2013

مقدمة

تقتلني تلك الأجهزة المشعة التي تأخذ أجيالا من البشر إلى فضاءات افتراضية يتجردون فيها من حقوقهم وتقنّن فيها رغباتهم واختيارتهم بما يوافق غايات تربّحية قاصرة. ما أن يمسك الشخص جهازا معيبًا مثل آيباد حتى يتجرد من حرياته، وواحدة من أهم تلك الحريات: حرية أن يعدّل جهازه، وأن يُجرّب البرمجة.

حتى يُسمح لك بالبرمجة بنشر برامجك على آيباد مثلا يجب أن تدفع لأبل 99 دولارًا سنويًا، وأن تزوّدها باسمك وعنوانك وأن توافق على قائمة طويلة من الشروط التي تجعل كل ما تكتب حلالا لأبل. هذه الشروط (التعجيزية، لكثيرين، والمُنفّرة لآخرين) استحدثتها أبل. لم يحتج سيء الذكر ستيف جوبز أن يفي بشروط كهذه حتى يُجرّب ويكتشف مهاراته البرمجية حين تعرّف على الحاسوب في السبعينيات. لكن أبل قررت أن تُفرَض تلك العقبات، لأن مصلحتها تقتضي ذلك.

هذه العقبات لا تفرض على شخص أو شخصين أو مدينة أو مدينتين، بل على أكثر من 400 مليون جهاز وعلى مستخدميها، لكن في عالمنا اليوم لن تُطرَح أسئلة مثل: من سمح لهذه السياسات الحسّاسة أن تُعتمد، وأين نوقشت، وأين صوّت عليها الناس؟ ما يحصل أن آلة تضليلة ضخمة تستخدمها تلك الشركات لتقلب التقنية رأسًا على عقب ولتُحكِم تغولها وسيطرتها على أجيال متعاقبة معتمدة على خيارات لا واعية، ورغبات مُضلّلة.

البرمجة ليست ترفًا، إلا إذا كانت الكتابة كذلك، فالبرمجة ليست إلا كتابة يفهمها الحاسوب. تخيّل لو تمكنت من أن تأمر حاسوبك بما تشاء! أن تفهم البرمجة يعني أيضا أن تنمي ملكات كامنة تنقلك من مقعد المستهلك السلبي إلى مقعد المُنتِج المبدع، وأن تستوعب مهارات حل المشاكل وأن توسّع أفقك وخيالك، وأن تجد متعة في ذلك لا تقل عن متعة إسقاط الخنازير.

فهم البرمجة علاوة على ذلك كله يضيف بعدا مهما يساعد على استيعاب أعمق للقضايا التقنية. حين يُطلب منك مثلا التنازل عن كل بياناتك الخاصة مقابل خدمة بسيطة، سيسهل على من تعلّم أسس البرمجة أن يشكّك في أهمية ذلك، وأن يعي أن التقنية يمكن أن تُطوّر بما لا ينتهك حريات الناس وخصوصياتهم، لو قرّر المطورون ذلك. سيصعب على من لا يعرف كيف تعمل أن يتنبّه لذلك.

حل

قبل ست سنوات بدأ مجموعة من باحثي معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) مشروعًا حُرًا لتبسيط البرمجة للأطفال سمّوه سكراتش. يعتمد المشروع على رسومات مبسطة وعلى السحب والإلقاء لإنتاج ألعاب وأفلام كرتونية يتعلم خلالها الأطفال بسلاسة ذات الأسس التي تعتمد عليها أضخم البرامج: العبارات الشرطية، وعبارات التكرار، والمتغيّرات وسوى ذلك.

واجهة سكراتش الابتدائية (يتوفر بالعربية أيضا)

واجهة سكراتش الابتدائية (يتوفر بالعربية أيضا)

تشكّل حول المشروع أيضا مجتمع ضخم من أكثر من مليون طفل يرفعون الألعاب وأفلام الكرتون التي صمّموها، بدون قيود نشر اعتباطية فيتيح الموقع للجميع الاطلاع على الأوامر البرمجية خلف كل لعبة وفيلم، بحيث يمكن للأطفال أن يتعلموا مما أنتجه أقرانهم وأن يأخذوه ويُحسنوه في جو من التعاون الأخّاذ الذي ليس غريبا على مجتمع البرمجيات الحرة العظيم. :)

واجهة المشروع في غاية السهولة، وتوجد تعليمات مُضمّنة فيها تساعد على التقدم. توجد أيضا مقاطع تعليمية كثيرة على يوتيوب.

(سبق أن دوّنت عن بحث أجري على مشروع سكراتش وتعامل الأطفال معه وعُرِضت نتائجه في مؤتمر ويكيميانيا 2012)

المشروع

مؤخرا بُليت أختي الصغيرة غادة بآيباد. سأجعل تعريفها على سكراتش ومساعدتها على تصميم الألعاب فيه مشروعًا لي في هذا الصيف. لا ينبغي أن يُقفل أمام غادة -وعمرها 9 سنوات- باب واسع جدا من أبواب الإبداع لمجرد أن شركة ما تسعى جاهدة لتخليق تصرفاتها وإجبارها على الاستهلاكية.

سأكتب لاحقا عن التجربة. لا أثق صراحة بقدراتي التعليمية، لكن الأمر يستحق التجربة حتما. :)

أنهوا الحرب على التشارك

مايو 27, 2013

ريتشارد ستولمن مؤسس حركة البرمجيات الحرة وهي حركة اجتماعية تسعى لدمقرطة العالم الرقمي وحماية الحريات فيه بتمكين مستخدمي الحاسوب من استخدام البرمجيات كيفما شاؤوا وتشاركها مع من يحبون وفهمها وتعديلها دون قيود اعتباطية يفرضها المطورون عليهم. اهتمام ريتشارد ليس مقصورا على البرمجيات فقط بل ذهب أبعد من ذلك ليناقش حقوق النشر التي تحد من قدرة الناس على تشارك الأعمال الثقافية رغم أن التقنية الرقمية والإنترنت صارت تتيح أن يتمتع الجميع في كل مكان بالإنتاج الثقافي بلا حدود. في هذه المقالة يدعو ريتشارد لتغييرات جذرية في قانون حقوق النشر ليتوائم مع التطور التقني وليحمي حق الناس في التعاون والتآزر.

ترجمت هذه المقالة قبل بضع سنين لكنها بقيت مختبئة في موقع ريتشارد ستولمن وحان وقت نشرها هنا.

عندما تتشكى شركات التسجيل من خطر “القرصنة” فهي لا تعني الهجوم المسلح على البحارة. إن ما تشكو منه تشارك نُسَخ من الموسيقى، وهي ممارسة يشترك فيها الملايين في جو من التعاون. تستخدم شركات التسجيل كلمة “قرصنة” لتشوّه التشارك والتعاون بتشبيههما بالخطف والقتل والسرقة.

اُستُحدِثت حقوق النشر عندما مكّنت المطابع النَسْخ بكميات كبيرة وكان ذلك لغرض تجاري عادة. كانت حقوق النشر مقبولة في ذلك الظرف التقني لأنها مثّلت تشريعًا صناعيا، ولم تُقيّد قراء الكتب ولا مستمعي الموسيقى (لاحقًا).

بدأت شركات التسجيل في تسعينيات القرن التاسع عشر بيع تسجيلات موسيقية بكميات هائلة. سهّلت تلك التسجيلات الاستمتاع بالموسيقى ولم تتعارض مع الاستماع إليها. لم يكد يوجد خلاف على حقوق نشر تلك التسجيلات لأنها قيّدت شركات التسجيل وحدها ولم تقيد مستمعي الموسيقى.

تُمكّن تقنيات اليوم الجميع من إنشاء نُسَخ وتشاركها، لكن شركات التسجيل تسعى لاستغلال حقوق النشر لحرماننا من هذا التقدم التقني. إن القانون الذي كان مقبولا عندما قيّد الناشرين وحدهم يعتبر ظالمًا اليوم لأنه يمنع المواطنين من التعاون.

إن منع الناس من التشارك يتعارض مع الفطرة البشرية، وكثيرًا ما تقع العبارة الأورويلية “النسخ سرقة” على أذان صماء. يبدو أن الوسيلة الوحيدة لمنع الناس من التشارك أن تُشنّ حرب شعواء على التشارك، ولذا فإن شركات التسجيل تقاضي المراهقين -عبر RIAA (رابطة صناعة التسجيلات الأمريكية) وغيرها من الأذرع القانونية- وتطالبهم بدفع مئات آلاف الدولارات بتهمة التشارك. في نفس الوقت، تآمرت الشركات لتقيّد وصول العامة إلى التقنية فطوّرت أنظمة إدارة القيود الرقمية التي صممت لتُقيّد المستخدمين وجعل النسخ مستحيلا. من أمثلتها iTunes و أقراص DVD و Blueray (راجع DefectiveByDesign.org لمزيد من المعلومات). وعلى الرغم من أن هذه المؤامرات تعيق التجارة، إلا أن الحكومات تتعمد عدم وقفها.

ورغم ذلك يتواصل التشارك. إن الدافع الإنساني للتعاون قوي. ولذلك فإن شركات التسجيل وغيرها من الناشرين يطالبون بوسائل أقوى لمعاقبة المتشاركين. لقد اعتمدت الولايات المتحدة قانونًا في أكتوبر 2008 يُشرّع مصادرة الحواسيب التي تُستَخدم في التشارك المحظور؛ ويدرس الاتحاد الأوروبي مقترحًا لفصل الإنترنت عمّن يُتهم بالتشارك (دون الحاجة إلى أن يثبت عليه ذلك). راجع laquadrature.net إذا أردت المساعدة في معارضته. اعتمدت نيوزلندا في 2008 بالفعل قانونًا مماثلا.

سمعت في مؤتمر أفلام قبل فترة وجيزة عن مقترح يطالب الناس بالإفصاح عن هوياتهم ليتاح لهم الاتصال بالإنترنت، سوف تسهم هذه المراقبة أيضًا في سحق المعارضة وإلغاء الديمقراطية. أعلنت الصين اعتماد مثل هذه السياسة في مقاهي الإنترنت، فهل سيعقبها الاتحاد الأوروبي؟ اقترح نائب في المملكة المتحدة سجن الناس عشر سنوات على التشارك. لم يعتمد هذا المقترح (حتى الآن). في نفس الوقت يُطلب من الأطفال الوشاية بوالديهم (بأسلوب يشبه الأسلوب السوفيتي) عن النسخ غير المصرح بها. يبدو ألا حدود للوحشية التي ستنتهجها شركات حقوق النشر في حربها على التشارك.

حجة شركات التسجيل الأولى لمنع التشارك هي أنه يسبب “خسارة” في الوظائف. لقد تبين أن هذا الادعاء ليس سوى ضرب من الخيال.(1)

لكن حتى لو كانوا صادقين، فهذا لا يبرر الحرب على التشارك. هل يجب أن نمنع الناس من تنظيف منازلهم لنتفادى “الخسارة” في وظائف العمال؟ أو نمنع الناس من الطبخ لأنفسهم أو تشارك الوصفات لنتفادى “الخسارة” في وظائف المطاعم؟ هذه الحجج سخيفة لأن “العلاج” أشد ضررًا بكثير من “الداء”.

تزعم شركات التسجيل أيضًا أن تشارك الموسيقى يسلب المغنين المال. يعتبر هذا الادعاء من أنصاف الحقائق التي تعتبر أسوأ من الكذب، إلا أن الحقيقة فيه أقل بكثير من النصف.

حتى لو قبلنا بافتراضهم أنك لو لم تُنزّل بعض المقاطع الموسيقية لكنت اشتريت نسخا منها (وهو افتراضا يغلب خطؤه ونادرًا ما يصح)، فإن الموسيقيين ذوي التاريخ العريق والمشهورين جدًا هو وحدهم من سيجني مالًا مما اشتريت. إن شركات التسجيل تجبر الموسيقيين في بداية مسيرتهم على القبول باتفاقيات استغلالية تشمل 5 أو 7 ألبومات معًا. لا تكاد أن تصل مبيعات أي تسجيل يُنشر تحت هذه الاتفاقيات إلى كمية تكفي ليحصل الموسيقيون على سنت واحد منها. لمزيد من التفاصيل راجع هذه الوصلة. إذا تجاهلنا ذوي التاريخ العريق والمشهورين جدًا فإن التشارك لا ينقص سوى الدخل الذي تستغله شركات التسجيل في محاكمة محبي الموسيقى.

أما الموسيقيون الذين لا تستغلهم اتفاقياتهم (ذوو التاريخ العريق والمشهورون جدًا) فلا مشكلة خطيرة للمجتمع ولا للموسيقى إذا أصبحوا أقل ثراءً بقليل. هذا لا يبرر الحرب على التشارك. ونحن (العامة) يجب أن نضع حدًا لها.

يقول البعض أن شركات التسجيل لن تنجح أبدًا في إيقاف الناس عن التشارك وأن هذا مستحيل.(2) بالنظر إلى التفاوت بين قوة جماعات ضغط (“لوبيات”) شركات التسجيل ومحبي الموسيقى، فإني لا أعول على توقعات من سيفوز في هذه الحرب؛ على كل حال إن الاستهانة بالعدو خطأ. يجب أن نتوقع أن كلا الطرفين لهما إمكانية النصر وأن الناتج متوقف علينا نحن.

أيضًا حتى لو لم تنجح شركات التسجيل في سحق التعاون البشري فإنها تسبب الكثير من المعاناة بمجرد محاولتها ذلك وهي عازمة على إحداث المزيد منها. بدلا من أن نسمح لهم بمواصلة الحرب على التشارك حتى يعترفون أنها عقيمة، يجب أن نوقفهم في أقرب وقت. يجب أن نُشرّعن التشارك.

يقول البعض أن مجتمع الإنترنت لم يعد بحاجة إلى شركات التسجيل. أنا لا أدعم هذا الرأي. إني أرغب في شراء أسطوانات -بشكل سري- من متاجر التسجيلات، لكني لن أدفع لأنزل الموسيقى إلا إذا تمكنت من القيام بذلك بشكل مجهول. لا آمل أن يُقضى على شركات التسجيل كلها، لكني لن أتخلى عن حريتي لأجل أن تبقى.

إن غرض حقوق نشر -للتسجيلات الموسيقية وغيرها- سهل وواضح: أن تُشجّع الكتابة والفنون. إن هذا الغرض مقبول، لكن ثمة حدود لما يمكن تبريره به. إن منع الناس من التشارك غير التجاري غير مقبول. إذا أردنا تشجيع الموسيقى في عصر شبكات الحاسوب فعلينا اختيار الوسائل التي تتناسب مع ما نريد القيام به بالموسيقى، ومن ذلك تشاركها.

أدناه بعض المقترحات التي يمكن القيام بها:

  • يمكن لعشاق نوع معين من الموسيقى تنظيم نوادٍ تدعم الذين يحبون تلك الموسيقى.
  • يمكن أن نزيد النفقات للبرامج الحكومية الموجودة حاليًا التي تُموّل الموسيقى.
  • يمكن أن يُموّل الفنانون الأعمال المكلفة بالاكتتاب، على أن تُرد الرسوم إذا لم يُنجز العمل.
  • يجني كثير من الموسيقيين مالا أكثر من بيع البضائع للمعجبين من بيع التسجيلات. لو توجهوا نحو بيع البضائع فلن يوجد سبب لتقييد النسخ؛ بل على العكس تمامًا.
  • يمكن أن ندعم الفنانين الموسيقيين بنفقات عامة تُوزّع مباشرة عليهم وفق الجذر التربيعي لشهرتهم. استخدام الجذر التربيعي يعني أنه إذا كان الفنان الشهير “أ” أشهر ب1000 مرة من الفنان “ب”، فإن “أ” سوف يحصل على 10 أضعاف ما سيحصل عليه “ب” من نفقات الضرائب. إن هذه الوسيلة تضمن تعدد أنواع الموسيقى.
    يجب أن يضمن القانون أن شركات التسجيل لا تصادر هذه النفقات من الفنانين، لأن التجربة أظهرت أنها ستسعى إلى القيام بذلك. إن “تعويض أصحاب الحقوق” ما هو إلا قناع لإعطاء معظم المال لشركات التسجيل باسم الفنانين.
    يمكن أن تؤخذ النفقات من الميزانية العامة، أو من ضريبة خاصة مرتبطة بشكل غير مباشر بمن يستمع إلى الموسيقى، كضريبة على الأقراص الفارغ أو على الاتصال بالإنترنت. كلا الطريقتين سوف تؤدي المهمة.
    Mécénat Global” خطة مشابه إلى حد ما.
  • ادعموا الفنانين بمبالغ طوعية. هذه الوسيلة ناجحة لبعض الفنانين مثل Radiohead و Nine Inch Nails و Jane Siberry (sheeba.ca)، رغم اعتمادها على نظام ليس سهلا يتطلب من المشتري امتلاك بطاقة ائتمان.

    لو تمكن كل عاشق للموسيقى من الدفع بسهولة باستخدام أموال رقمية، ولو احتوى كل مشغل موسيقى زرًا يمكنك عبر نقره إرسال يورو واحد إلى الفنانين الذين أنتجوا المقطوعة التي تستمع إليها، ألن تنقره أحيانًا، ربما مرة كل أسبوع؟ الفقراء ومن هم في غاية البخل وحدهم سوف يُحِجمون.

قد تكون لديك بعض الأفكار الجيدة الأخرى. دعونا ندعم الموسيقيين ونُشرّعن النسخ.

الهامش

  1. راجع هذه المقالة، لكن تنبه إلى أنها تستخدم المصطلح التضليلي “الملكية الفكرية”، والذي ينشر اللبس بجمع قوانين غير مرتبطة ببعضها. راجع هذه الوصلة لمعرفة السبب في أن استخدام هذا المصطلح ليس جيدًا أبدًا في أية حال.
  2. راجع the-future-of-copyright.

المقالة منشورة برخصة المشاع الإبداعي النِّسبة دون اشتقاق 3.0. هذا يعني أن بإمكانك نشرها كيفما شئت شريطة ألا تعدلها.

بيان طلائع النفاذ المفتوح

فبراير 14, 2013

أرُن سوارتز مطور ماهر وناشط فذّ قضى شبابه بين إنجاز وآخر: من تطوير آرإس​إس إلى المساهمة في ويكيبيديا إلى دعم المشاع الإبداعي تقنيا إلى تأسيس ردإت إلى المساهمة في أرشيف الإنترنت كان يسعى دوما لتحرير المعارف من شر الاحتكار وإتاحة النفاذ لها لأكبر عدد ممكن من الناس. حضر سوارتز مؤتمرا في إيطاليا في 2008 لحركة النفاذ المفتوح وعلى هامش المؤتمر نشر البيان المهم التالي. تعرض أرن لملاحقة الحكومة الأمريكية التي اتهمته بتهم تصل عقوبتها للسجن لأكثر من ثلاثين سنة. لم يحتمل أرن ذلك فانتحر في 11 يناير 2013. لمعرفة المزيد عن ملابسات قضيته استمعوا لهذه الحلقة الممتازة من راديو هند.

المعلومات قوة، وككل قوة ثمة من يريد الاستئثار بها لنفسه. إن الميراث العلمي والثقافي للعالم أجمع -الذي نُشر طوال القرون الماضية عبر الكتب والمجلات- ترقمنه بضع شركات خاصة وتحجره. هل تريد أن تقرأ بحوثا عن أشهر النتائج العلمية؟ يجب عليك أن تعطي أموالا طائلة لناشرين من أمثال ريد إلسيفر.

ثمة من يكافح ليغير هذا الأمر. كافحت حركة النفاذ المفتوح بشدة لتضمن أن العلماء لا يتنازلون عن حقوق النشر [لأولئك الناشرين] وأن تُنشر أعمالهم على الإنترنت ببنود تسمح للجميع بالنفاذ إليها؛ لكن حتى في أفضل الحالات سينطبق جهدهم فقط على ما سينشر في المستقبل. أما كل ما نشر سابقا فقد ضاع.

هذا ثمن باهض جدا. هل نجبر الأكاديميين على دفع المال ليقرؤوا أعمال أقرانهم؟ هل [نرقمن] مكتبات كاملة ثم لا نسمح إلا لموظفي غوغل بقراءتها؟ هل نوفر المقالات العلمية للجامعات النخبوية في العالم الأول ونمنعها عن الأطفال في جنوب العالم؟ هذا جنون غير مقبول.

سيقول كثيرون: “أتفق معك، لكن ما الذي يمكننا فعله؟ الشركات تتصرف بحقوق النشر وتجني أموالا طائلة من رسوم النفاذ وهذا قانوني تماما — لا يمكننا فعل شيء لنوقفهم”. بل ثمة شيء يمكننا القيام به، شيء يتم الآن: أن نحاربهم.

إلى من عنده نفاذ لتلك الموارد -سواءً كنتم طلابا أو أمناء مكتبات أو علماء: أنتم في نعمة. تنهلون من مائدة المعرفة التي حرم منها بقية العالم، لكن لستم مضطرين -ولا يحق لكم أصلا- أن تستأثروا بهذه النعمة. أمامكم واجب يحتم أن تتشاركوها مع العالم. يمكنكم أيضا أن تعطوا كلماتكم السرية لزملائكم أو تنزلوا [الأبحاث] لهم إذا طلبوا ذلك.

في ذات الوقت [أنتم أيها] المحرومون لم ترضوا أن تبقوا مكتوفي الأيدي. تبحثون عن الثغرات وتقفزون الحواجز لتحرروا المعلومات التي احتكرها الناشرون وتتشاركونها مع أصدقائكم.

لكن كل هذا يتم في الخفاء سرا ويسمونه سرقة أو قرصنة، كما لو كان تشارك كنز المعرفة يكافئ أخلاقيا الاستيلاء على السفن وقتل طاقمها؛ لكن النسخ ليس عيبا بل هو واجب أخلاقي. لا يمنع صديقَه من النسخ إلا من أعمى الطمع قلبه.

الشركات الضخمة طبعا أعماها الطمع، فالقانون الذي تسير عليه يتطلب ذلك ومساهموها سيثورون إذا لم تكن طماعة بدرجة كافية؛ كما رشت تلك الشركات السياسيين ليمرروا قوانين تمنحهم وحدهم سلطة يقررون بها من بإمكانه النسخ.

ليس من العدل اتباع القوانين الظالمة. حان وقت الظهور للعلن وأن نسير نحو العصيان المدني بأن نعلن معارضتنا للسرقة الخاصة للثقافة العامة.

يجب أن نأخذ المعلومات أينما خُزّنت فننسخها ونتشاركها مع العالم. يجب أن نأخذ المواد التي ليس لها حقوق نشر ونرفعها للأرشيف وأن نشتري قواعد البيانات السرية وننشرها على الوب وأن ننزل المجلات العلمية ثم نرفعها إلى شبكات تشارك الملفات. يجب أن نكافح كفاح طلائع النفاذ المفتوح.

إذا كان عددنا كافيا في شتى أنحاء العالم فلن نتمكن من إرسال رسالة قوية رافضين خصخصة المعرفة فحسب، بل سنجعل الخصصة جزءًا من الماضي. فهل ستنضم لنا؟

آرُن سوارتز

يوليو 2008. إريميو، إيطاليا

لا البيان الأصلي، ولا ترجمته يخضعان لحقوق النشر بل هما في الملكية العامة: انسخ كما تشاء، نقح كما تشاء.

وانتهت ويكيمانيا 2012!

يوليو 28, 2012


واختُتم المؤتمر السنوي لمجتمع ويكيبيديا المسمى ويكيمانيا الذي عقد هذه السنة في جامعة جورج واشنطن في واشنطن العاصمة. أتحيت لي فرصة حضور المؤتمر للمرة الثانية بعد أن حضرت الدورة التي عقدت في بولندا عام 2010، وهذه التدوينة محاولة لتوثيق أبرز ما قيل وجرى في المؤتمر.

سأبدأ بأجمل ما يميز هذه الدورة تحديدا وهو أن الحضور العربي كان واضحا جدا، وكانت فرصة متميزة لمقابلة الكثير من الوجوه الكادحة التي تعمل خلف كواليس ويكيبيديا العربية. العرب الذين حضروا (دون ترتيب): عصام شرف وهيثم شماع ومشيرة ومحمد عودة وراڤان وأحمد غربية ورامز قنيبي وحبيب مهني وفارس الجويلي وصالح المحمدي ومينا وسامي القائمين على مبادرة تغريدات.

سبق المؤتمر جولة في المدينة التي لا تنام نظمتها مؤسسة ويكيميديا في نيويورك. الجولة كانت مُعدّة لحضور المؤتمر القادمين من خارج الولايات المتحدة وتمت خلالها زيارات عديدة شملت مقر الأمم المتحدة ومتحف التأريخ الطبيعي ومتحف المتروبوليتان للفنون ومبنى إمباير ستيت وول ستريت والحي الصيني في نيويورك وغيرها. لكن كل هذا خارج هدف هذه التدوينة، ودعونا نكتفي بقول “ما يحدث في نيويورك يبقى في نيويورك”. :P

جلسة المطورين والاستبقال: 10-11 يوليو

يوم 10 و11 يوليو بدأت أولى فعاليات المؤتمر وهي ورشة المطورين. في كل طاولة يجلس مهتمون بموضوع ما. انضممت بشكل موجز لمطوري بايثون واستشرت أحد المطورين عن أفضل وسيلة لتكييف بوتتي الحبيبة للعمل مع ويكيبيديا العربية على تحديث ترتيب أليكسا في مقالات المواقع (وبالمناسبة، البوتة الآن تعمل).

لم أنضم لبقية فعاليات الهاكثون بل انضممت لبعض الجولات التي أعدها منظمو المؤتمر حول واشنطن كزيارة الأرشيف الوطني والكابيتول. في الكابيتول، أتيحت لي فرصة حضور جلستين لمجلسي الشيوخ والنواب، وكانت تجربة لطيفة. في مجلس الشيوخ كان رئيس كتلة الديمقراطيين ورئيس كتلة الجمهوريين يتجادلان في نفس القضية الأزلية التي تشغل السياسة الأمريكية: مشروعية رفع الضرائب على الأغنياء. حمدت الله على نعمة “الأمن والاستقرار” في وطني وخرجت مدبرا. :P

مساء يوم 11 يوليو رعت غوغل حفلة رائقة ذات طابع أوروبي كلاسيكي في مكتبة الكونغرس. كان الجو لطيفا جدا وكانت فرصة رائعة للالتقاء أخيرا براڤان وسامي ومينا.

فعاليات المؤتمر الرئيسية: 12-14 يوليو

الافتتاح

صباح يوم 12 يوليو ابتدأت فعاليات المؤتمر بكلمة رئيسية ألقتها ماري غاردنر مُؤسِّسة مبادرة إيدا الهادفة لتعزيز مشاركة النساء في مجتمعات البرمجيات الحرة والثقافة الحرة. الحقيقة أن كلمتها لم تكن واضحة المغزى فلقد تطرقت لمواضيع مختلفة جدا لكن أهم ما ذكرته خطوات لتشجيع مشاركة النساء في النشطات والمشاريع والوظائف التقنية عموما. ذكرت مثلا أن تشير الإعلانات تحديدا أن للنساء وجود لأن ذلك يقضي على الصورة النمطية أن تلك النشطات حكر على الرجال. نصحت أيضا أن يحرص منظمو النشاطات على ألا يكون بين الحضور امرأة وحيدة لكي لا يشار إليها أنها “المرأة” “The Woman” بل يفترض أن تكون مشاركتهن طبيعية، وألا تتحمل امرأة واحدة تمثيل النساء. أخيرا ذكرت أن تنوع قاعدة المساهمين لا يعني أن تجلب الجميع تحت نفس المظلة بل أن توسع المظلة لتشمل الجميع.

بعد ذلك تحدث ڤكتور الذي يشغل مسمى وظيفيا عجيبا في المؤسسة — “قاص ويكيميديا”. وظيفته أن يجمع قصص محرري الموسوعة واهتمامتهم ومبررات مساهماتهم على أن تنطلق حملة جمع التبرعات للموسوعة هذه السنة بفيديو لهؤلاء المساهمين.

CC BY-SA 3.0 // Helpameout

بعد ذلك ألقى جيمي ويلز (أحد مؤسسي الموسوعة) كلمته المعهودة: “The State of the Wiki” التي ركز فيها على أفريقيا وتحدث عن القفزة السريعة في نسبة الوصول للإنترنت وعرض إحصاءات تؤكد أن المواقع المنتشرة في العالم الغربي (والعربي) لا تختلف عن المواقع المنتشرة في أفريقا ومنها ويكيبيديا، وهو الأمر الذي ينفي الصورة النمطية عن تخلف استخدامهم للإنترنت. أيضا أعلن جيمي ويلز عن الفائز في جائزته السنوية الشخصية التي يبلغ مقدارها 5000 دولار والتي تمنح لدعم مشروع أحد مساهمي الموسوعة. الفائز كان المساهم Demmy من ويكيبيديا يوربا (وهي لغة أفريقية يتحدثها 20 مليون). كان لدِمي اسهامات كبيرة في وضع نواة تلك النسخة من الموسوعة. أطلق جيمي أيضا جائزة شخصية أخرى لموظفي المؤسسة ونالها هذه المرة المطوّر براندن هارس ومسؤولة التواصل مع المجتمع ماغي دِنِس.

جاء ضمن إجابات جيمي ويلز على الأسئلة تعقيبه على حدود انخراط ويكيبيديا في السياسة بعد الإضراب الذي دخلته النسخة الإنجليزية اعتراضا على قانون SOPA. أكد جيمي أن مراعاة الحيادية السياسية ضروري وأن على الموقع ألا يبدي موقفا سياسيا ما لم يتعلق الأمر بما يمسه مباشرة (كحرية الإنترنت). في إجابة أخرى ذكر أن مجتمع ويكيبيديا مهووسون، لكنهم ليسوا بالضرورة مهووسو حاسوب؛ وأن وجود مئات المقالات التي تتناول توزيعات مختلفة لغنو/لينكس مثلا يعطي المشروعية لوجود مقالات متشعبة في مواضيع أخرى (كالأزياء!). فيما يتعلق بعلاقة ويكيبيديا بالصين ذكر جيمي ويلز أن الوضع لم يتغير منذ ثلاث سنوات في أن بعض المقالات فقط محجوبة لكنه عبر عن تأييده الكبير لأدوات مكافحة الرقابة كتور.

التقنية

حضرت بعد ذلك جلسة تِقنيّة تحدث فيها مطورون من المؤسسة عن آخر مستجدات التطوير. تحدثو عن فكرة إنهاء تعديلات IP واستبدالها بحسابات مؤقتة مجهولة يسهل تحويلها لحسابات دائمة لتشجيع القادمين الجدد على الاستمرار. عرضوا أيضا (لأول مرة بالنسبة لي) الواجهة الجديدة الجميلة لمراجعة المقالات الجديدة وهي -إلى وقت كتابته- متوفرة في ويكيبيديا الإنجيزية فقط. أشار المطورون في هذا السياق إلى أن استبدال الواجهات والأدوات الحالية غير مبحذ لصعوبة الحصول على توافق المجتمع بسرعة ولذا فإن المؤسسة تضيف أدوات وواجهات جديدة ولا تستبدل الموجود منها. الأشياء التي تخطط المؤسسة لتحسينها قبل نهاية عام 2012: آراء القراء وتقييمهم للمقالات (reader feedback)، واجهة مراجعة المقالات الجديدة (new pages feed)، نظام إخطار مساهمي الموقع وتنبيهم (user notification)، والمراسلات بين المستخدمين (user-to-user messaging)

الأبحاث

بعد ذلك حضرتُ كلمة بنجامين ماكو هل السنوية عن الأبحاث التي أجريت على ويكيبيديا طوال السنة الماضية. بدأ ماكو بحديث عن تجربته مع برنامج Scratch وهي لعبة تُدرّب الأطفال على البرمجة طورها باحثون من MIT يستخدمها أكثر من مليون مستخدمًا معدل أعمارهم 13 سنة أنشؤوا 3 ملايين مشروعا كلها تخضع لرخصة CC BY-SA 3.0. عندما قرر المشرفون على الموقع تشجيع المساهمات عبر تخصيص قسم في الصفحة الرئيسية لأكثر الألعاب التي تُعدّل ويُبنى عليها، أدى ذلك لأثر سلبي وهو أن اللاعبين بدؤوا يبنون ألعابا بسيطة جدا يسهل تعديلها لأن كل ما كانوا يسعون إليه أن تظهر ألعابهم على الصفحة الرئيسية. كان أثر التشجيع هنا سلبيا.

أولى الدرسات التي عرضت كانت عن تأثير الأوسمة مساهمو الموسوعة لبعضهم عبر دراسة مستوى نشاط المساهمين قبل منحهم الأوسمة وبعدها. أظهرت الدراسة أن النشاط بشكل عام كان يقل وعلل الباحثون ذلك إلى أحد أمرين: إما أن الأوسمة تُمنح بعد أن يبذل المستخدم جهدا فوق طبيعي لإنجاز مهمة ما وأن الوسام يمنح لأدائه هذه المهمة وبالتالي طبيعي أن بقل نشاطه؛ أو أن الأوسمة تَمنح شعورا بالرضى عن الأداء يدفع المساهم إلى الراحة.

دراسة أخرى تناولت حيادية ويكيبيديا الإنجليزية في المقالات التي تتناول السياسية الأمريكية خلصت إلى أن 40% من المقالات التي تناولتها الدراسة منحازة بمعنى أنها تستخدم ألفاظا ومصطلحات حزبية يفضلها الجمهوريون وحدهم أو الديمقراطيون وحدهم. خلصت الدراسة إلى أن المقالات المنحازة للديمقراطيين كانت أكثر لكن النسبة تقاربت مؤخرا. دراسة أخرى تناولت مساهمة النساء خلصت إلى أن تعديلات النساء بشكل عام أقل لكنها أكبر وأكثر ثراءً. الدراسة الأخيرة -التي سأذكرها- كانت تتناولت حال ويكيبيديا في القطاع الأكاديمي وخلصت إلى أن 60% من المعلمين حذروا من استخدام ويكيبيديا في نفس الوقت الذي أفاد فيه 75% منهم أنهم سبق أن استخدموها!

جلسة غداء عربية أثناء المؤتمر.
على اليمين (من أسفل لأعلى): مينا، أسامة، راڤان، مشيرة.
على اليسار (من أسفل لأعلى): ثريا، سامي، أمين، أحمد، هيثم.

القانون

في يوم 13 يوليو حضرت جلسة للمستشار القانوني الأعلى لمؤسسة ويكيميديا. تحدث فيها عن ضرورة أن تلتزم الموسوعة بالحياد السياسي في المستقبل إلا فيما يتوافق مع سياسية واضحة ينبغي للمجتمع أن يصوغها لتضع حدود المشاركة السياسية لويكيبيديا. قال أيضا أنه يفضل أن تدعم المؤسسة ماليًا الجمعيات التي تدافع عن الحريات الرقمية مثلا بدلا من أن تنخرط بنفسها في ذلك. تحدث أيضا عن ميزانية تخطط المؤسسة لوضعها للدفاع عن إداريي الموسوعة الذين قد يتعرضون لمضايقات قانونية. (شيء رائع! :))

بعد ذلك عرض باحث من MIT دراسة أجراها عن تأثير حقوق نشر الصور على مقالات ويكيبيديا. تناول عددا من مقالات لاعبي البيسبول وكيف أن المقالات القديمة التي تتناول أشخاصا تتوفر لهم صور حرة تفوق زياراتها وتعديلاتها مقالات اللاعبين الذين لا تتوفر لهم صور حرة (كثير من اللاعبين الجدد من النوع الثاني). ذكر من الأشياء التي قد تسبب ذلك أن محركات البحث قد تضع المقالات التي تحتوي صورا في مرتبة أعلى من تلك التي لا تحتوي أي صور. علق بعض الحضور أن الدخول للمقالات عبر محركات بحث الصور قد يكون سببا آخرًا لزيادة الزيارات. باختصار قانون حقوق النشر شيء أسوأ مما تتوقع. :D

المؤسسة

في يوم 14 يوليو كان الافتتاح كلمة ألقتها المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيميديا عرضت فيها أداء المؤسسة خلال السنة الفائتة وخططها للسنة القادمة. أشارت سو غاردنر مرارا أن المشكلة الرئيسية حاليا أن عدد مساهمي الموسوعة لا يزال (منذ أربع سنوات) في نقصان. الأرقام التي ذكرتها والإنجازات التي سردها كلها ستنشر في تقرير المؤسسة القادم.

حضرت بعد ذلك جلسة عن المنح التي تقدمها المؤسسة للمساهمين ألقها عسّاف الذي ذكر أن 94.5% من طلبات المنح التي تُقدّم للمؤسسة تقبل! تحدث عن نصائح عملية لضمان حصول الطلب على الموافقة السريعة (الحصول على موافقة المجتمع، التأكد من أن المبلغ المطلوب هو أقل ما يمكن أن يُنفّذ به الطلب، تفصيل الاحتياجات بدقة). بعد ذلك تحدثت دلفين من ويكيميديا الألمانية عن برنامجهم للمنح كما تحدث شخص ثالث من ويكيميديا البولندية عن برنامج المنح هناك لكن لا حاجة للتفصيل في الأخيرين لأنهما لا يشملان العرب! :)

اجتماعات غير رسمية

في أوقات مختلفة خلال المؤتمر عقدنا لقاءات غير رسمية كان أجملها لقاء برنامج التعليم العالمي الذي طرح فيه الحضور من حوالي عشر بلدان تجاربهم المختلفة ونجاحاتهم وإخفاقاتهم. من العرب تحدث عصام شرف عن برنامج التعليم في مصر وذكر أن البرنامج كان الأول عالميا حسب عدد المقالات لكل طالب (حوالي 6 مقالات للطالب الواحد). مدرّس من جامعة ساوثرن إنديانا ذكر أن طلاب كلية الصحافة وجدوا ضالتهم في ويكي الأخبار، وليس ويكيبيديا. تحدث مُطوّر من المؤسسة أيضا عن امتداد جديد تعمل المؤسسة عليه يسهّل متابعة الطلاب والمقالات التي يعملون عليها.

نظّمت مشيرة أيضا اجتماعا لطيفا مع مساهمي ويكيبيديا البرازيليين. كان الهدف الأصلي أن نناقش سوية المصاعب المشتركة، لكن تبين أن النسخة البرتغالية والمجتمع الويكيبيدي البرازيلي متفوقان جدا بالمقارنة مع النسخة العربية والمجتمع الويكيبيدي العربي. من الأشياء التي قيلت أن مساهمي البرازيل ورغم أنهم لا يعملون تحت مظلة مؤسساتية محلية، إلا أنهم يظهرون أنفسهم كحركة اجتماعية لها موقع يشبه مواقع مؤسسات ويكيميديا المحلية وهدفه أن يكون واجهة سهلة ومباشرة لكل من من أراد الانضمام إلى المجتمع والتعرف على نشاطاته. ذُكر أيضا أن ويكيبيديا قد لا تكون المشروع الأمثل لكل الجماهير، وأن عرض المشاريع الشقيقة سيساعد تلك الجماهير على التعرف على روح الويكي والمساهمة بمحتويات (غير موسوعية) حرة ستعزز من دور ويكيبيديا في نهاية المطاف. ذكر أيضا أن ورشة عمل واحدة على الأقل تقام كل شهر في البرازيل.

جلسات وحوارات أخرى كثيرة لا مجال لذكرها هنا. كل الأمل أن ترى النور كواقع عملي يخدم المعرفة العربية الحرة.

ختام

كان المؤتمر وما صاحبه من أنشطة تجربة ثرية ممتعة جدا تمكنت من المشاركة فيها بفضل منحة جزئية من مؤسسة ويكيميديا. الشكر الوافر لجهودهم ولجهود منظمي المؤتمر ولجهود مؤسسة ويكيميديا في نيويورك ولكل النفوس المرحة التي جعلت المؤتمر تجربة متميزة. :)

خمسة أسباب لأجلها أقول: أعطونا الإنترنت كاملة حرة!

مارس 12, 2012

مقدمة


يحي العالم كل عام في 12 مارس اليوم العالمي لمكافحة الرقابة الإلكترونية، وهو نشاط تدعو له منظمة مراسلون بلا حدود ليوحد فيه الناس صوتهم رافضين الاعتداء على حرية الإنترنت بأشكالها المختلفة كتعقب المستخدمين وحجب المواقع والاعتقال التعسفي للمدونين والمستخدمين.

سأتناول في هذه التدوينة الحجب تحديدا، ومع قدوم الربيع العربي أعطت تونس مثالا ممتازا بإصلاح هام (ذكرته في تقريري عن زيارتها) وهو إزالة الحجب لحماية حرية الإنترنت واستقلالها.

عندما نتحدث عن واقع الحجب في السعودية، نتحدث عن واقع مؤسف جدا تتولى فيه السلطات (ممثلة بهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات) دون معايير ولا مساءلة حجب ما تشاء إلى أجل غير مسمى وتترفع فيه عن الإجابة على استفسارات المواطنين وطلبات رفع الحجب (رغم أنها تدعي الإجابة على كل الطلبات خلال 48 ساعة!) من ضحايا الحجب مواقع حوار ونقاش ومواقع مشاركة ملفات وصفحات حقوقية وصفحات نشطاء سياسيين وحقوقيين على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض خدمات الأرشفة والترجمة المفيدة جدا.

المشاكل

تختلف الدول التي تطبق سياسة حجب في مدى تقدم أساليبها في ذلك (ولحسن الحظ الأسلوب المستخدم في السعودية متخلف جدا)؛ لكن في نفس الوقت تتفق أساليب الحجب أنها تتم بتمرير جميع بيانات الإنترنت المحلية عبر وسيط تشرفه عليه جهة مركزية (حكومية عادة) تقوم بالحجب آليا.

  • تهديد للحريات: الإنترنت فضاء مستقل ومنصة لا تخضع لسلطة أي حكومة وعليها تُكفل حريات ضرورية كحرية التعبير والصحافة والتجمع وذلك أعطى فرصة لإبداعات لا حدود لها وخلق أرضية يجتمع فوقها المضهدون والمظلومون ويتناقشون وينظمون أنفسهم حيث لا مكان آخر يسعهم. الحكومات أثبتت تعديها على أبسط الحقوق والحريات الإنسانية لما امتلك أدوات الحجب، وتزويرها يوم ترفع شعار حماية الأخلاق. لا أريد أن تقرر السلطات ما يمكنني قراءته في بيتي (أولا لأني حر في ذلك، وثانيا لأن ذلك طريق للاستبداد). ولا يحق لها أن تفرض معاييرها ونظرتها عن طريق الحجب الذي ينطبق على كل أفراد المجتمع على اختلاف أعمارهم وتوجهاتهم ومستوياتهم التعليمية. لا أريد أن تقرر حكومة الوثائق والصفحات التي يمكن أن أقرأها، ولا أظن أنك ترغب بذلك.
  • فشل الحجب في تحقيق أهدافه: سوء استغلال الحجب والحاجة الماسة إلى تخطيه في أحيان كثيرة (رغم أن ذلك غير قانوني في السعودية) نشر ثقافة “كسر الحجب”. يمكن أن أضمن لك: لا توجد وسيلة مثالية للحجب، وكل ما يمكن القيام به أن تجعل الوصول للمواد أطول بخطوة واحدة أو خطوتين، لا أكثر.
  • المشاكل التقنية والتكلفة: إدخال وسيط مركزي تمر من خلاله كل بيانات الإنترنت المحلية يسبب مشاكل تقنية تؤثر فعليا على أداء الإنترنت، وقد تسبب في حرمان الخدمة حال تعطل ذلك الوسيط. هذا طبعا عدى أن تكلفتها المرتفعة التي (كما في النقطة السابقة) لا تعود بفرق يذكر.
  • الخصوصية والسرية: لا يمكن أن يتم الحجب دون تنصت ومراقبة. يتم الحجب في السعودية حاليا بمراقبة عناوين الصفحات التي يزورها المستخدم والتأكد أنها ليست في القائمة السوداء وهذا يعني أن السلطات تراقب كل ما يزوره كل المستخدمين. لا يمكن فرض الحجب على الأدوات التي تحمي خصوصية المستخدم بإخفاء بيانات تصفحه وتعميتها (أي تشفيرها)، كبرنامج تور الذي يكثر أن يستخدمه النشطاء في كل أرجاء العالم أو شبكات VPN التي يكثر للشركات استخدامها لربط مختلف فروعها بأسلوب آمن. واجبنا أن نعزز وأن ندعم الأدوات التي تحمي الخصوصية، لا أن ندعم منعها لأن مزايا الآمان والخصوصية أهم بكثير من أي غرض يمكن أن يخدمه الحجب.

    ماذا تقرأ الآن؟

  • غياب الشفافية: في السعودية وغيرها من الدول، يتم الحجب دون أدنى شفافية. قد يدعون أنهم يقومون بذلك لكي لا يروجوا للمواقع، لكن ثبت للجميع أن غياب الشفافية يعني غياب المساءلة. جهد بسيط قمت به بأن جمعت قائمة بصفحات تويتر المحجوبة فتبين أن كلها صفحات لنشطاء سياسيين وحقوقيين. غياب الشفافية الذي يعتبره البعض من مستلزمات الحجب يساعد كثيرا على وقوع مثل هذه الانتهاكات.

الحلول

يتبين من الأسباب التي حاولت تبيينها أعلاه أن إخفاء المحتويات السيئة المنشورة على الإنترنت مَهَمّة لا ينبغي أبدا أن توكل للحكومة ولا لأي جهة مركزية أخرى، ليس لأن ذلك لا يحقق مراده أساسا فحسب بل أيضا لأن ذلك سيجلب معه تبعات باهضة على الحرية والأمان والخصوصية بالإضافة إلى المشاكل التقنية والتكلفة.

تتوفر حلول متنوعة لهذه المشكلة ليست الحكومة جزءًا منها. قد لا تكون تلك الحلول كاملة، لكنها على الأقل لا تجلب المشاكل التي تجلبها رقابة الحكومة. من أفضل الوسائل في نظري أن يُثبّت المستخدمون بأنفسهم وعلى حواسيبهم برمجيات حرة تستند لقوائم منشورة لحجب المواقع غير اللائقة. يمكن أيضا أن تُطوّر (إن لم تكن موجودة أصلا) برمجيات تعمل على الراوتر المنزلي لتقوم بالغرض ذاته. من الضروري أيضا نشر الوعي بضرر المواد غير اللائقة ومسؤولية الوالدين عن أطفالهم.

من الضروري في النهاية أن نعي أن الإنترنت تجلب قليلا من المساوئ التي لم تتوصل البشرية لحل معقول لها إلى اليوم، لكن ذلك مقابل زهيد لكل الحريات والخدمات التي نكسبها من ذلك الفضاء الخلاق. يجب ألا نعبث ببنية الإنترنت وأن ندافع عن حرياتنا فيها كمستخدمين ومدونين.

عن ندوة شبكات التواصل الاجتماعي

مارس 10, 2012

حضرت مساء أمس الجمعة ندوة أقيمت على هامش معرض الكتاب عن شبكات التواصل الاجتماعي وصناعة الرأي العام شارك فيها عميد المدونين السعوديين فؤاد الفرحان وطراد الأسمري صاحب مدونة حلم أخضر وريم السعوي صاحبة مدونة ساعي بريق وأدارت الندوة المذيعة في القناة السعودية نشوى السكري.

كانت إطلالة فؤاد في الندوة تستحق كل احترام؛ فرغم ضيق الوقت وتعدد الضيوف ومداخلات الحضور الكثيرة، تألق فؤاد في كل مداخلة أتيحت له فعبّر عن صوت المدونين وشرح مواقفه بمنطقية واتزان وتمسك بآرائه الإصلاحية المتميزة.

كتبت على تويتر شيئا مما دار في الندوة (هنا وهنا وهنا مثلا)، وسأكتب في هذه التدوينة بمزيد من التفصيل ما ذكره فؤاد في مداخلاته تقديرا لمواقفه ولأن التدوين يظل أفضل وسيلة للتوثيق.

فؤاد الفرحان في الندوة

ابتدأت الندوة بحديث فؤاد عن أسس تشكل الوعي بأنه يبدأ ببيانات مجردة تتحول لمعلومات مفيدة إن كان قارؤها مطلعا وملما بأسس موضوعها ثم إلى معرفة إن تنوعت وجُمِعت لكنه أشار إلى أن الخطوة الرابعة وهي الخبرة غائبة عن الواقع السعودي لغياب المجتمع المدني الذي يعطي الناس حرية استثمار معارفهم في خلق تجارب واقعية وعلى الأرض تكسبهم تلك الخبرة.

في موضع آخر وبعد أن أسهب الضيوف الآخرون والحضور في الحديث عن الرأي العام وصناعته، علق فؤاد أن الرأي العام في السعودية غير مؤثر أساسا وأن السعودية في حاجة ماسة لإصلاح سياسي يعيد للرأي العام اعتباره. كما أكد فؤاد أننا نمر بمرحلة التوعية السياسية وأن ثقافة المطالبة بالحقوق بسلمية وحضارية يجب أن تُعمّم.

ليس من المعقول أن نظل نحن وبروناي الدولتين الوحيدتين اللتين لا تُقرّان الانتخابات البرلمانية.

صفقت القاعة لفؤاد، على مطلبه الإصلاحي هذا. :)

وفي إجابته لسؤال مديرة الندوة عن رأيه في قانون النشر الإلكتروني، أكد فؤاد رفضه التام لمثل هذا القانون، وأنه ضد الوصاية من الألف للياء أصلا. شرح فؤاد أن محاولة التستر على عيوب المجتمع بالكتم لا تجدي لأن ما يخرج عبر الشبكات الاجتماعية ليس إلا واقع مجتمعنا، وأن علينا معالجة المشكلة بشكل أعمق كأن نسائل التعليم والخطاب الديني.

قانون النشر الإلكتروني يخالف مسيرة الحياة وكأننا نريد عكس اتجاه دوران الأرض!

لما انتقل الحديث لاستخدام المعرفات الوهمية والحقيقية أشار البعض (ولو من بعيد) إلى أن القمع الذي تمارسه السلطات هو ما يدفع الناس إلى الخوف من التعبير عن آرائهم وهنا انقلت المذيعة إلى فؤاد بصفته شاهدا حيا على اعتقال المدونين (يوم اعتقل في ديسمبر 2007) فرفض فؤاد في لفتة غاية في الجمال والتواضع أن يكون موضع الاهتمام، وسلط الضوء على قضية الحقوقي محمد البجادي (المعتقل منذ عام تقريبا).

أعتقد أن الموضوع الأولى في الطرح هو موضوع أخونا محمد البجادي. محمد البجادي قدوة الشباب ورمز نعتز به جميعا نحييه من هنا نذكره بكل خير ونسأل الله له الفرج.

لما انتقل الحديث إلى إمكانية إيجاد مؤسسة تدعم حرية المدونين وتحميهم، علق فؤاد أن ذلك مستحيل في ظل تجميد قانون المؤسسات المدنية منذ ثلاث سنوات في مجلس الشورى، كما أكد أن وجودها تحت مظلة حكومية لا يقدم الحماية المطلوبة وأوضح أن الضمانة الوحيدة للمدون أن يحتوي بطرحه أكبر شريحة ممكنة من المجتمع، فبضغط هؤلاء وتأيديهم أكبر حماية.

فيما يتعلق بالاحتقان الذي تشهده الساحة السعودية والملاحظ كثيرا على الشبكات الاجتماعية، علّق فؤاد أن الاحتقان طبيعي جدا في كل المجتمعات، لكن غير الطبيعي أن يستمر ويتراكم وأن الفرق بيننا وبقية المجتمعات أن المجتمع المدني هناك بأدواته (كالانتخابات) يحسم القضايا ويفرغ الاحتقان.

مثّل فؤاد رأيي فيما تناول من قضايا، ولحظت توافقا بين الحضور (ولا سيما المدونين والمغردين منهم) على ما طرح.

لا يسعني إلا أن أقول #شكرا_فؤاد_الفرحان.


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 43 other followers